Posted by: egytarek | 30 September, 2008

أيا أيها الفجر ، قد طال الظلام

 

 

 

كثيرا ما أقرأ مقالات و دراسات علمانية ليبرالية ، تتحدث عن ظاهرة التدين الشكلي التي اجتاحت المشرق العربي و مصر على وجه الخصوص بداية من النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي

، نتيجة ما صاحب هذه الفترة من ارتفاع سعر البترول بعد حرب  رمضان أكتوبر ،ثم نجاح الثورة الاسلامية في إيران و قيام الدولة الأسلامية هناك ، و مما لا شك فيه أن هذه الظاهرة حقيقية ، فمنذ هذه الحقبة و ما حدث بها من نزوح أعداد كبيرة من المصريين للعمل في دول الخليج ، أغلبهم من العمال و الفنيين قليلي أو معدومي الثقافة الدينية ، و عودتهم بعد ذلك بوجه آخر غير الذي سافروا به.

 

أنا شخصيا كنت شابا يافعا في هذه الفترة و شاهدت بنفسي مظاهر كنت أستغربها و لا أفهمها ، انتشرت و سادت  المجتمع المصري المسلم ،و لم نكن نعرفها قبلها ، و طالما ناقشت أبي الاستاذ و الشيخ الأزهري فيها و عن حقيقة علاقتها بالأسلام ، فكان يبدي تعجبه منها مثلي .

 

 في هذه الفترة كنت لأول مرة ألاحظ أن من  يصلي بجانبي في المسجد يحرص على ” دفس ” قدمه ” بأظافرها الطويلة  في قدمي ، و كلما أبعدت قدمي ملليمترات قليلة تحت وطأة  وغز أظافره أعاد لكز قدمي مرة أخرى ، و نمضي فترة القيام  و الركوع في لعبة البحث عن الأقدام بدلا من الانصات الخاشع للامام ،أو التسبيح ،  في هذه الفترة أيضا كانت أول مرة في حياتي أشاهد  شبابا  يشمرون بنطلوناتهم قبيل الدخول في الصلاة لسبب لا أعرفه ، بل و يتطوع بعضهم بتشمير بنطلوني و أنا أصلي دون أن يستأذنني  ، و أيضا كانت أول مرة في حياتي أشاهد رجلا يرتدي ما يشبه ” الطرحة الحريمي “  فوق رأسه بيضاء اللون ، و أيضا كان في هذه الفترة  أول تعرض لي في حياتي لمن يقف في الصف ثم يخرج من جيبه مسواكا لينظف أسنانه و نحن وقوف ننتظر تكبيرة الإحرام ثم يضعه في جيبه دون أن يغسله و أنا أنظر اليه متقززا ، في هذه الفترة أيضا اكتشف المصلون في المساجد على حين غرة أن أي جماعتين متزامنتين في المسجد أمر يستدعى رفع الصوت و الجري هنا وهناك لمنع هذه الجريمة ،  و مطالبة أحداهما بإنهاء الصلاة و اللحاق بالجماعة الأخرى ، و كانت هذه الفترات هي أول كراهيتي لأسلوب استخدام الميكروفونات في المسجد ، حيث ظهرت في البداية  فكرة الأذان للفجر بأذانين، يتم بينهما فتح الميكروفون على إذاعة القرآن الكريم أو يقوم مقيم شعائر المسجد بإلقاء تواشيح دينية  لإيقاظ المصلين، ثم آداء الصلوات الجهرية في الميكروفون الخارجي ، ثم بدأت هذه الظاهرة في  التلاشي و حل محلها في أوائل التسعينيات بدعة رفع إقامة الصلاة في الميكروفونات، وما  تزامن معها من عراك في كثير من المساجد حول صلاة الجمعة ومحاربة  ” بدعة ” عثمان  ذي النورين ،  صاحب الأذانين ، و ضرورة العودة  للاقتداء ب ” السنة “  و الاكتفاء بأذان واحد  ، و مع شهر رمضان بدأت في نفس الفترة  بدعة مستحدثة بدت شاذة  غريبة في بادئ الأمر و هي إلقاء درس بين ركعات التراويح ، بدأ الدرس قصيرا ، ثم بالتدريج زادت مدته حتى صارت تقارب الوقت المخصص للصلاة أصلا.

 

 

كل هذه الظواهر داخل المسجد ، أما ما كان خارجه فحدث ولا حرج .

 

 

و في نفس هذه الفترة التي انتشرت مثل هذه الظواهر التي تدعي أنها إسلامية ، زاد تسارع انهيار , وتهاوي قيم المجتمع ، و لن أتحدث هنا عن عناصر الفساد الخاصة بأسلوب الحكم أو انهيار الاقتصاد أو باقي أنواع المفاسد التي  تأتي من أعلى طبقات المجتمع ، بل ما يعنيني هنا هو مظاهر الفساد التي أكلت قواعد و أسس المجتمع و نخرت جذوره ، ولم تجد عند مستوردي المظاهر الاسلامية حلا واحدا .

 

 فالكذب الذي كان سبة عندما كنا صغارا ، صار  هو القاعدة التي تندهش عندما تتعامل مع أحدهم و تجده لا يكذب كثيرا ، و يرتبط بالكذب ، ظواهر مثل الرغبة في التعتيم و التعمية  ، مبني على الشك في الآخر ، كنت أسمع الكبار عندما يتحدثون و أنا صغير ، فإذا قابل أحدهم صديقه و سأله إلى أين أنت ذاهب ، كانت الإجابات صريحة بسيطة  ، ذاهب لفعل كذا ،  نفس البساطة و التلقائية التي أجدها الآن مع أصدقائي من غير المصريين أوغير العرب ، أما عندنا الآن فنادرا ما تجد حديثا صريحا بسيطا ، بل جمل معماه مغماه ، لا معنى لها .

 

 

قيمة الكلمة و الوعد ، أصبحت لا تعني أي شيء . في التجارة و الأعمال ،و في السوق ،في مجال الصداقة  و الزواج ،  كان كل شيئ يعتمد على قوة و احترام الكلمة ، لم يكن هذا منذ قرون ، كنا كذلك و أنا فتى يافع ، و اليوم بعد أن زاد عدد اللحى في الشوارع أضعافا مضاعفة ، لم تعد حتى للكلمة المكتوبة معنى مادام معك محامي محنك يستطيع ان يطيل أمد المحاكمة حتى يمل من تخاصمة ،و يتنازل عن حقه .

 

 

و رغم أن الظاهرتين السابقتين من أشد سوءات الأخلاق التي اعتبرهما رسول الله –  صلى الله عليه و سلم –   في حديث شريف يحفظه  الجميع من علامات النفاق ، إلا أننى و للأسف الشديد أجد أنه لا فرق في الوقوع فيهما في نطاق أصدقائي و جيراني و زملائي في العمل، بين من يدخن و لا يصلي على الإطلاق ، و بين صاحب اللحية المعفاه و الجلباب الأبيض القصير و” الطرحة “  البيضاء. الاثنان في البلاء سواء

 

 

إذا لا حاجة لاثبات أن تديننا  شكلي ، لا أثر له في تطهير ضميرأو نفس المتدين ، و أن ما استوردناه من صحراء شرق البحر الأحمر من جلابيب بيضاء ،و لحى طويلة ،  ليس هو الإسلام الذي يريده لنا ربنا ، و لا هو الاسلام الذي أمضى رسول الله صلى الله عليه و سلم حياته  في تعليمنا إياه

 

 

و لكن ما هو الحل ؟؟  أغلب العلمانيين ( رافضي الدين أو محيدينه ) و الليبراليين ( المتحررين من القيم و التقاليد ) يستغلون هذه الظواهر و يعتبرونها مناخا جيدا  لبث سمومهم التي يدعون أنها الحل لمشاكلنا   ، فتجدهم  يتحدثون حديثا  ظاهره الحق و الخير ، و باطنه العذاب  ، يبدأون  بكلام معسول عن : حقيقة الدين ، و روح الدين ، و الإسلام الحقيقي ، وخطر ” المتأسلمين “   ، ثم يأخذون خطوة  أبعد فيذكرون :   العدل الاجتماعي ، و الحرية ، و المشاركة في الحكم ، و التقدم و الرخاء ، و حقوق الأقليات ، و المرأة ، و الطفل ،  ثم  يبدأون بعد ذلك بالتكشير عن أنيابهم  و بث سمومهم  صريحة :  ما دام الدين  لم يوفر مناخا لحياة نظيفة ولم يقدم حلا لمشاكلنا  ، فلنجنبه حياتنا ، ما دامت قيم الدين لم تؤمن لنا مجتمعا راقيا ، فلنبحث عن  منظومة قيمية أخرى ، ما دام الدين يعطي غطاء شرعيا لحكم فاسد ، فلنترك الدين و و نبحث عن حل في الشرق أو الغرب.

 

 

المشكلة هنا أن الجانبين على خطأ ، من يدعون أنهم الأسلاميون تفرغوا لظواهر قد تكون من الدين ولكنهم نسوا الأصول ، و لم يفقهوا ترتيب أولوياتهم ، و كانوا  كابن عمر بن عبد العزيز الذي أراد أن يحمل الناس على الحق جملة واحدة ،  فحذره الخليفة الخامس بأن ذلك سيكون مدعاة لرفضهم للحق جملة واحدة ،  و الخطأ الثالث الذي يقعون فيه أنهم يدعون لظواهر لا قلب لها ، وقواعد جامدة لا يطبقونها على أنفسهم ، أمانة هم أبعد الناس عنها ،و صدق هم أول من خانوه ، فكانوا قدوة سيئة و شر دعاية .

 

و الطائفة الأخرى على باطل يريدون إلباسه ثوب الحق ، كلهم اصحاب أهواء ، و أغراض ، و أمراض يريدون تغطيتها  بزينة براقه من الحديث المنمق ، والشعارات المزيفة.

 

و للأسف  يحدث ما يشبه التحالف غير المكتوب بين الفرقتين ، على هدم قيم و ثوابت و كل أصول الخير في المجتمع المصري ،  نرى ذلك مثلا في اتفاق الفرقتين على تنحية العلماء الرواسخ  من رجال الأزهر من الحياة و السخرية منهم و تهميشهم ،و هم من هم ، المرجع الأول للمسلمين ليس بشهادتنا ،و لكن بشهادة  كل  مسلمي العالم الذين يبعثون أبنائهم للتتلمذ على أياديهم.

 

  الفريق الأول حريص على تهميش  العلماء الحقيقيين و اتهامهم بأنهم مهونين  مخالفين للسلف ، أو علماء للسلطان ، أو أنهم من الأشاعرة فاسدي العقيدة ، أو يغلو بعضهم و يتهمهم بالكفر و القبورية ،  ليحلوا مكانهم مجموعة أخرى من علماء البدو ، الذين لا يجيدون سوى فقه التحريم ، و التفرغ للصغائر ، و ابتداع قوائم جديدة من المحرمات التي لا أصل لها يشغلون بها الناس مثل :  تحريم السفر لأوروبا ، و تحريم قيادة النساء للسيارة ، و تحريم عمل المظاهرات ، تحريم مجرد الحديث في السياسة .

 

و الفريق الثاني  لا يطيق من يقول لا إله إلا الله ، و يكون حديثهم مضحكا مبكيا  عندما يتهمون شيخا أزهريا بأنه رجعي و ظلامي   ، لمجرد أنه أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، و يتفرغ كثير منهم ، بل و ينفق ماله لتتبع ما توهمه سقطات أو أخطاء  لعلماء المسلمين ،  و يستعين بالمهرجين و الطبالين و الزمارين  للسخرية من العلماء الأجلاء دون أن يكلف نفسه مشقة  محاولة السؤال أو الفهم ، كما حدث مثلا في قصة  بول الرسول ( ص)  مع فضيلة الشيخ على جمعة ،  فما يهم هؤلاء الفساق  ليس التحقق أو تصويب الخطأ بل  إشاعة جو من البلبلة و هدم ما تبقى من الثقة  في علماء الأمة ، و لا نعني بالأمة هنا مصر ، ولكن كل المسلمين من اقصاها لأقصاها .

 

الغريب في الأمر أن يتفق  الفريقان الذين لا يتفقان على شيء ، في هدم كل خير في الأمة ،  الفريق الأول بالتفرغ  للصغائر و التشكيك  في الكبار ، و الثاني  بالسخرية و الهمز و اللمز و نشر الفواحش

 

ما يصبر الأنسان في مثل حالتنا أن يعلم أن ما نحن فيه هو شيئ طبعي ، وهو المتوقع في كل عصور الانحطاط ، و نحن نمر بواحدة من أسوأها ، في هذه الفترات لا يطفو على السطح إلا كل خبيث ، و يتوارى أهل الخير  ، إلى أن يأذن الله بفجر جديد


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: