Posted by: egytarek | 23 July, 2008

العلمانية و المقدس

من أهم المبادئ التي تتفق عليها كافة أطياف العلمانيين و إن اختلفت طرق تعبيرهم عنها هو نفي المطلقات و المقدسات ، فكل الحقائق نسبية ،و القيم أفكار ذاتية .

و النظرة المادية للعلمانيين تشمل العالم كله ، فالمقدس ، أو ما يتجاوز التعريف المادي للأشياء لا وجود له عند العلمانيين ،و بالتالي فالعالم كله ليس إلا مادة تنطبق عليها القوانين الطبيعية ، و حسابات الربح و الخسارة .

ووجود القيم و المحرمات يتعارض مع هذا المفهوم للعالم ، فالإنسان و العالم هما عناصر مادية صرفة ، و يتم التعامل معها بدون حدود  ما يعرف بالقيم و الاخلاقيات ، فهي أمور لا يمكن  اختبارها  كميا أو قياسها ، و لا تنطبق عليها قوانين الفيزياء الطبيعية .

و العالم من وجهة نظر العلماني ، هو منظومة طبيعية مغلقة ، و مكتفية ذاتيا ، و ليست في حاجة للحفاظ على اتزانها إلى عوامل خارجية ،  فكل الحديث عن الأفكار الربانية ،و الرسالات السماوية ، بالنسبة للعلمانيين قد يمكن قبول حدوثها ،و لكنها غير لازمة لاستقرار منظومة الحياة في عالمنا .

فالعالم في الفكر العلماني ، مركزه بداخله ، ولا حاجة له لمرجعية خارجية .

و العلماني عندما يدعي نفي المقدسات غير صادق مع نفسه ، فالحقيقة أن  العلمانية لم تنفي القدسية ، بل حولتها من مقدس لآخر ، ففي رفض العلمانيين لأي شيئ غير مادي ، تم تحويل دائرة التقديس من  القيم و المعنويات و الربانيات  إلى  الماديات مثل  اللذة و المتعة ، و القوة ،و المال .

والعلمانية بهذه الصورة هي ردة عنيفة في تاريخ التطور البشري ، عادت بالإنسان لما يشبه عهد الطفولة الأولى للبشرية ، فكما لا تعني القيم العليا ، أو معاني الشرف و النزاهة شيئا لدى طفل رضيع ، و تنحصر حياته بين تجنبه للألم ، و استزادته من متعة الأكل و الشرب ، صارت  أيضا هذه القيم و المجردات لا تعني شيئا بالنسبة للعلماني ، و انسحبت القداسة في اتجاه المادة الصرفة ، و صار مركز اهتمام الإنسان في جسده ، و متعته الجنسية ، و عمله و مصادر دخله و انتاجه ، و ممتلكاته المادية . و صار الحكم على الناس بمقدار ما يحظون به من هذه الماديات .

و المادية العلمانية هنا لا تختلف عن الوثنية في كثير ، فكما كان الوثيون القدامي لا يستطيعون التعامل مع الأفكار المجردة ، و فكرة الإله الرب الذي لا تدركه الأبصار و لا تحيط به حواس الإنسان المحدودة ،  فوثنيوا العصر الحديث من العلمانيين هبطوا بمقدساتهم من علياء القيم السامية إلى دنو مادياتهم التي يستطيعون تلمسها بأطراف أصابعهم

 


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: