Posted by: egytarek | 10 May, 2008

نصر حامد أبو زيد و خطاب التحريم

 

السبت الماضي ( 3/5/2008 )  حضرت محاضرة حامد نصر أبو زيد في  الجامعة الأمريكية ، لم أحضر لعمق معرفة بأبي زيد أو فكره ، فكل ما سبق لي قرآءته عنه لا يزيد عن مقتطفات الهجوم أو التأييد التي لم تكون لدي فكرة واضحة عنه أو عن فكره ، ذهبت فقط لاستطلاع ما يقوله الرجل الذي أثير حوله لغط و ضجيج منذ سنوات عديدة .

 

لم أفاجأ بالزحام في القاعة ، فالقاعة الشرقية في الجامعة الامريكية ليست بالكبيرة ، لا أعرف بالضبط عدد المقاعد بالصالة ، و لكنها عند وصولي  متأخرا حوالي الخمس دقائق عند موعد بدء المحاضرة كانت ممتلئه عن آخرها ، مع بعض الوقوف في الخلف ، وبعض من افترش الأرض في الممرين بين المقاعد .

 

شققت طريقي بين الواقفين على الباب الخلفي و استطعت بكثير من الحظ أن أجد مكانا للجلوس على   الدرج يمين الصالة ، أبو زيد يبدو كما كما في صوره ، و لكن بدون اللحية التي كانت تزين وجهه في بعض الصور ، يبدو أكبر سنا ،  البياض غطى رأسه تقريبا ، يبدو أقل وهجا و أكثر وهنا عما رأيته في بعض مقاطع الفيديو أو على التلفيزيون .

 

المحاضرة نفسها ” الفن و خطاب التحريم ” لا تعنيني  في شيئ ، الموضوع  لاكته الألسنة  والأقلام  حتى صار ممجوجا ،  لا جديد ، الفكرة معادة ، الفن فيما تحدث عنه أبو زيد يشمل كل الفنون ، و إن ركز على الفنون البصرية ، والتحريم لا يعني التحريم الديني  فقط و لكن كل صور القهرو المنع التي تمارس على الفن مثل التحريم الاخلاقي أو السياسي، و جميع أساليب الوصاية والحماية أو الاستبداد التي توجه ضد التعبير الفني .

 

أبو زيد نفسه  و ما يفكر فيه كان هدفي من الحضور ،  المحاضرة  مسلية ، أبو زيد ليس ذلك النوع من المحاضرين ذوي الحضور الطاغي ، و الأسلوب الفائق النافذ في التعبير ،  أفضل ما يقال أنه عادي ، رجل معتاد على مقابلة الجماهير بحكم مهنته ، لا يتمتع بمميزات شكلية تجذبك إليه ، و لكن يمكنني أن أؤكد أنه استطاع أن جذب أنظار الحضور إليه طوال الساعة التي استغرقتها محاضرته،  شخصيا أفسر ذلك بتلهف الجميع لرؤية ذلك الرجل الذي دارت حوله الحكايات، و أظن لو تكررت محاضراته و صارت أمرا عاديا لما استطاع أن يجذب هذا العدد من الحضور أو أن يتمكن من الاحتفاظ بهم يستمعون إليه لمدة ساعة كاملة.

 

كما قلت المحاضرة مسلية ، اللغة بسيطة ، مزيج من الفصحى معطشة الجيم من أستاذ اللغة ، و العامية ، أدهشني بناء المحاضرة على تحليل لكتابات سيد قطب في كتابة ” التصوير الفني في القرآن الكريم” ، أبو زيد نفسه أشار ” لخبث ” هذه الاستشهادات ، عجبت أيضا لخطأ أبي زيد عند قراءته لآيات من سورة المدثرتصف الوليد بن المغيرة ، رغم قراءته للآيات من ورقة أمامه ، و عجبت أيضا عندما وصفته إحدى الحاضرات ( أستاذة جامعية ) بأنه رجل دين متطور،لا ادري من أين جاءت بهذا الوصف.

 

المحاضرة رغم بساطتها ، إلا أنها مراوغة ، لا أظن أن أبا زيد يحمل فكرة واضحة جديدة ليقولها ، فكرة الحرية  المطلقة كهدف أسمى ندافع عنه ، أمام اي متدخل فيها سواء كان حاكما مستبدا ،أو فلسفة متطرفة ، أو نظام سياسي شمولي أو حتى دين سماوي، ليست بالجديدة ، فهي عقيدة الغرب، وهي دين ما يعرف بالعلمانيين أو الماديين اللادينين  هنا في مصر و كل العالم ، و الفكرة الأخرى التي تنفي مبدأ قطعية الدلالة عن النصوص الدينية أيضا ليست بالجديدة ، و هي المدخل الذي ينخر به أرباب المادية في عظام الالتزام الديني على أساس أنه لا شيئ قطعي و كل الامور ظنية .

 

لا أظن أن سيد قطب عندما وصف القرآن ” باللذيذ الجميل ” كان يعني ما فهمه أبو زيد من أن القرآن نص أدبي للمتعة الأدبية قبل أن يكون نصا دينيا و شريعة و قانونا حاكما ، كتابات سيد قطب نفسه تنفي ذلك ، و لا أظن أن حسان بن ثابت عني بقولته ” أنما الفحش عند النساء ” أن التفحش في الكلام و الوصف أمر مباح ، و أن الشاعر له مطلق الحرية في التبذل في الهجاء أو التشبيب ، حسان نفسه اشتهر عنه رقة شعره في الإسلام مقارنة بشعره الجزل في الجاهلية ، و عندما سئل عن ذلك قال إن أجمل الشعر أكذبه ، و لم يشتهر من شعر حسان في الإسلام شيئ فيه تبذل أو ترخص .

 

مراوغة المحاضرة بدأت في اسمها ، ( الفن و خطاب التحريم ) ، فرغم حرص أبي زيد طول محاضرة على نفي أنه يقصد التحريم الديني فقط ، فهو لم يذكر غيره، إلا قليلا ، و مصطلح التحريم لا يرتبط في أذهان متحدثي العربية إلا بالدين ، و لو كان جادا حقا ، لاستخدم مصطلحا آخر مما أشار إليه خلال محاضرته مثل الحماية ،و المنع، والوصاية ، و التسلط ، و لكنه أراد تمرير فكرة رفضه لتدخل الدين في الفنون التصويرية دون أن يلام عليها مرة أخرى و لم يوفق في ذلك ، و المرواغة لم تتوقف عند الاسم و لكنها شملت استشهاده بأقوال سيد قطب و حسان بن ثابت و محاولة أن يقول على لسانهما ما لم يقولاه .

 

اضطر أبو زيد في الجزء الثاني من محاضرته ، لزيادة جرعة المراوغة أثناء إجاباته عن أسئلة الحضور، و أستطيع أن اقول أنه  أجبر على ذلك في بعض الأحيان ، فالامتعاض الشديد الذي ظهر على وجهه أثناء إثارة إحدى الحاضرات لمسألة الحجاب ،أكبر دليل على نوع من  المطبات اللتي أجبر على الوقوع بها و كان يحاول تفاديها ، و تملصه من الإجابة على سؤال ” ماذا تعني بأن القرآن نص تاريخي ” نوع من محاولة الهروب أو التراجع عن أفكار أدين بها سابقا.

 

أبو زيد ركز طول المحاضرة على فكرة أنه ليس كافرا ، و أعادها أكثر من مرة ، و أنه ضحية معركة لا ناقة له فيها و لاجمل بين المؤمنين و دعاة الكفر ، فهؤلاء هاجموه على أنه كافر ، و أولئك دافعوا عنه على أنه كافر، في حين يصر هو على أنه مؤمن ، و فسر أن الجميع ألصقوا فكرة الكفر به لأنهم لم يقرأوا له .و من العلامات الطريفة التي شاهدتها  عندما اقتربت منه في نهاية المحاضرة ،و التي حاول أبو زيد بها أن يعطي صورة الرجل المؤمن لنفسه هي وضعه لمصحف أخضر كبير مطبوع في السعودية على المنصة أمامة أثناء إلقائه المحاضرة ، و لم أدري السبب في ذلك ، خصوصا أنه كان يدون الآيات التي أراد الاستشهاد بها في ورقة أمامه ،و أخيرا خطرت على بالي فكرة عبثية بأنه ربما فكر في رفعه عاليا  إذا حاول أحد المتشددين رميه بالرصاص أثناء المحاضرة .

 

المحاضرة في مجملها حاولت قدر المستطاع البعد عن النقاط الشائكة في فكر أبي زيد و التي يثيرها مؤيدوه قبل مهاجموه ، و تركز في محاولة يائسة تحاول التستر على فكرة أن أبا زيد ضحية ، و أنه لم يأت بجديد عند تعامله مع فكرة أن القرآن نص أدبي ، و أن النص الأدبي له الحرية المطلقة في التعبير ، على أساس أن قطب الحركة الإسلامية الأكبر المعاصرة ” سيد قطب ” سبقه إليها ، و أن الفرق الوحيد بينه و بين سيد قطب هو في نوعية اللغة  ” المستفزة ” التي استخدمها ، و لكن المضمون واحد ، و محاولة التأكيد على كونه رجل مؤمن يدافع عن احترام النصوص الدينية ( و إن وقع لاحقا في مطب دلالتها ) .

 

لم أر في المحاضرة سوى أن حامد نصر أبو زيد ، في صورته المرهقه المتعبة  المريضة ، يحاول تقديم اعتذاره عمن يدعي أنهم أساءوا فهمه ، وأساءوا له ، و حاول قدر استطاعته أن ينفي عن نفسه فكرة الإساءة للقرآن ،و يتمنى في قرارة نفسه أن تهدأ العاصفة حوله ليعود إلى مصر، و لكني لا أظن أنه نجح في ذلك ، فأفكاره غلبت عليه، و ما يؤمن به خرج في ثنايا حديثه رغما عنه .

 

 


Responses

  1. تتلمذت على يد الدكتور بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ولمدة أربع سنوات خلال الفترة من 1983حتى 1987م وكانت بعض محاضراته تمتد لست ساعات ومع ذلك كانت من أكثر المحاحضرات متعة وحضور طلابي وكان من أ:كثر الأستاذة إخلاصاً في العمل

  2. قصدك تقول انه راجل ممتع و شيق الحديث ، و مخلص في نشر أفكاره الخاصة ؟؟


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: